| 2012 - 02 - 09 | ![]() |
|
مطلوب مموّل: أفكار سورية للبيع |
||
| "مطلوب مموّل لمشروع تجاري مضمون وناجح جداً، للاتصال هـ..." هذا الإعلان ظهر في إحدى جرائدنا الإعلانية مؤخراً، كما ظهرت إعلانات مماثلة لمواطنين سوريين على مواقع إلكترونية متخصّصة في عرض الفرص التجارية: "من سورية: مطلوب مموّل لمشروع رابح وأكيد أو إذا كان يرغب بقرض لا مشكلة من سورية أو غيرها.." مطلوب قرض أو مموّل والضمانات موجودة لاستثمارات تصل أرباحها إلى 140% سنوياً ولدينا خبرة بالاستثمار"، استوردت بضاعة من دولة ما ولزمني مبلغ من المال بمقدار ثلاثمئة وخمسين ألف ليرة وأريد شريكاً معي في هذه التجارة". ربما يلفت نظركم ما لفت نظري حين جرّبت الاتصال بأحد الأرقام المعلنة مرّة كمستفسر عن فكرة المشروع وجديته، بمعنى آخر "كمموّل مزعوم"، بالطبع لم يوافق صاحب المشروع الذي بدا من نغمة صوته أنه شاب ربما في العشرينيات من عمره، لم يوافق على إعطائي أي ملامح تفصيلية عن المشروع لكنه دعاني إلى لقاء يناقش كل التفاصيل، وعندما سألته وما زلت على الهاتف كيف عرف أن هذا المشروع سيربح بنسبة 150%، كما أخبرني على الهاتف وأن هذا الربح أكيد؟! أجابني أنه واثق من ذلك وعندما أعرف طبيعة المشروع سوف أصدقه، علماً أن دراسته التي لم تتجاوز البكالوريا حسب ما فهمت منه لا تخوّله الوصول إلى هذه النتيجة وادّعاء إجراء دراسة "جدوى اقتصادية" تحتاج في العادة إلى مكاتب متخصّصة مليئة بالكوادر المؤهّلة من خبراء ودارسين! معلن عن فكرة كانت المحاولة الأخرى هي اتصالي بواحد آخر، لكن (كصفحي) هذه المرّة قلت له: إن إعلانه حرّضني على الكتابة في موضوع استثمار الأفكار أو بيعها كما هو سائد في دول العالم بل في دول عربية أيضاً، فكان جوابه أنه ومن خلال ما تلقاه من اتصالات لم يتلقَ حتى الآن واحداً جاداً، كما ذكر أن لديه (خبرة في الاستثمار)، حيث كان يعمل في شركات محلية من القطاع الخاص ويعتقد أنه ساهم في إغناء عمل هذه الشركات غير أنها في الغالب لم تقدّر مبادراته كما قال، ولذلك فهو يسعى للانطلاق في مشروعه الخاص. الباحث مضر فياض الذي حاضر غير مرّة عن تحويل العاطل عن العمل إلى (رائد) يخلق فرص العمل كان من الذين أطلقهم على جانب يتعلّق بمحادثتي مع هذا الشاب وذاك، يعتقد فياض أن سورية مليئة بالعقول والأفكار التي تحتاج للتمويل، وهو ما يشكّل بحسب رأيه إعادة تأكيد على أهمية (المشروعات الصغيرة) التي بدأ الاهتمام الرسمي يضعف تجاه دعمها. وربما يفسّر كلام فياض تردّد كلٍّ من صاحبي الإعلان اللذين اتصلنا بهما بشأن الحصول على قرض صناعي أو قرض من هيئة مكافحة البطالة التي تدعم مثل هذه المشروعات الصغيرة. تمويل شخصي في بحث أجرته ميدانياً ربيعة سليمان ـ كلية الاقتصاد ـ وتناول العلاقة بين المنشآت النسيجية ومصادر التمويل، لتصل إلى نتيجة مفادها أن العلاقة بين تلك المشاريع والمصادر الرسمية للتمويل هي علاقة ضعيفة، إذ تبين بحسب بحثها أن 25% فقط من أصحاب المنشآت اعتمدوا على المصارف الحكومية للحصول على احتياجاتهم المادية، بينما 26% منهم اعتمدوا على الاقتراض من أصدقائهم وأقاربهم، بينما أعاد 12.5% استثمار مدخراتهم من الأرباح إلى المنشآت، واعتمد 36.5% من أرباب العمل على مدخراتهم الشخصية ومصادرهم الخاصة. وفي السياق ذاته يذكر علي ميَّا أنه قام بدراسة على المشروعات الصناعية الصغيرة لصناعة الألبسة الجاهزة في محافظة اللاذقية، وأن معظم أصحاب تلك المشروعات اعتمدوا في تمويلهم لمشروعاتهم على مدخراتهم الشخصية بنسبة 50% وعلى القروض المصرفية بنسبة 30% ، وعلى الأصدقاء والأقارب بنسبة 20%، وذلك نظراً لكثرة الإجراءات والضمانات التي تطلبها المصارف والمؤسسات المالية. كما بيّن الباحث أن تلك المشروعات تعاني من مشكلة كبرى في الحصول على النقد الأجنبي، بحجة أنها غير مؤهّلة للحصول عليه من البنوك بالمزايا نفسها التي تمنح للمشروعات الكبيرة، وهذا ما اضطرها للتعامل مع السوق السوداء. يحيا الثابت يقول الباحث الاقتصادي رامي زيدان: (لم يتجاوز نصيب التسليف الصناعي من إجمالي تسليف المصارف المتخصصة للأعوام 1996 ـ 2001 نسبة 4% عام 2001، حيث كان نصيب التسليف الصناعي للأعوام المذكورة (2.29%، 2.47%، 2.12%، 2.03%، 2.4%، 3.09%) على التوالي. وقبل أن ننظر إلى العام 2001 على أنه تاريخ يسبق الثورة المصرفية التي دخلت بعدها مصارف القطاع الخاص حلبة المنافسة في سورية وانعكاسات ذلك على نشاط المصارف الحكومية، فلنستمع إلى ما قاله أنيس معراوي مدير عام المصرف الصناعي في حديثه لمجلتنا: "لدى المصرف الآن نحو 3.5 مليارات ليرة سورية سيولة موضوعة تحت المصرف، إلاّ أنه لا يمكن التصرُّف بكامل المبلغ، لأن ثمة هامشاً أو نسبة، لكن ذلك لا يعني توقفنا عن منح القروض، رغم تشددنا قليلاً في مسألة السقوف، لأننا غير قادرين حالياً على دعم صناعات كثيرة، لكننا مستمرون في دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ضمن هوامش معينة"، فهل يوحي هذا الكلام بنسبة تختلف كثيراً عن النسب التي تعود للتسعينيات؟ لا جدوى كان من اللافت أيضاً في صفحات الفرص الاستثمارية على الإنترنت، أو حتى تلك التي تعرضها غرفة صناعة دمشق في موقعها الإلكتروني ونشراتها، وجود العديد من عروض الصفقات والمشاركات، لكنها جميعاً كانت تخلو من أي عرض سوري يعلن فيه صاحب رأس مال عن حاجته لفكرة استثمارية بقصد تمويلها، وهذا ما يعتبره الباحث رامي زيدان أحد أهم المشكلات التي تواجه النهوض الاستثماري في سورية والذي يستند فيه إلى دراسة أجريت في اللاذقية كمثال نتج عنها أن 80% من المالكين يتخذون القرارات بخصوص المشاريع بمفردهم ولا يعتمدون على الاستشاريين وأصحاب الخبرة. وتذكر الباحثة ربيعة سليمان نتائج بحث مماثل قامت به عن المشروعات النسيجية في سورية بيّن أن مالكي هذه المشروعات يتجاهلون كل دراسة اقتصادية للتأكّد من معطيات النجاح أو الفشل لمنشآتهم، وقد تجلّى ذلك بغياب الاعتماد على دراسة الجدوى، وقد جاء في نتائج الاستبيان الذي أجرته تلك الباحثة أن 23% تقريباً من المنشآت لم تقم بإجراء أي دراسة اقتصادية قبل البدء بنشاطها، وأن 74% تقريباً من المنشآت قامت بذلك، لكن ليس عن طريق مكاتب استشارية متخصصة، وإنما عن طريق صاحب المنشأة نفسه أو أحد المعارف، في حين أن 2% فقط اعتمد على مكاتب استشارية متخصصة. كل ذلك ربما أدّى ـ كما يقول الباحث رامي زيدان ـ إلى نمطية المشاريع والتراخيص وعدم توليد أفكار جديدة لمشاريع جديدة حيث يذكر مثالاً: حصول 23 مستثمراً عن المجلس الأعلى للاستثمار على تراخيص متشابهة لإقامة معامل للمعكرونة والشعيرية بطاقة إنتاجية قدرها 82ألف طن بين عامي 1992-1996، رغم وجود العديد من المعامل القائمة والتي تغطي حاجة السوق وتزيد. ربح سريع تشابه المشاريع ونمطيتها عند الكبار من الصناعيين انسحب على المشاريع الصغيرة أيضاً، رغم أن التقارير التي ينشرها مكتب الاستثمار تشير إلى أن السبب الرئيسي يكمن في الرغبة بالربح السريع، وهو ما يدفع الصناعيين السوريين إلى تجنّب المشاريع الكبرى التي عادة ما تكون دورتها المالية أكبر وأرباحها مؤجلة في السنوات الأولى. مع ذلك فإن ما تقدّمه هيئة مكافحة البطالة من تمويل صغير لا يتجاوز ثلاثة ملايين ليرة سورية كان محكوماً هو الآخر بهذه النمطية، فأغلب المشاريع كما تذكر تقارير الهيئة تتركز على مشاريع لا تحمل قيمة مضافة، ومن أكثرها (تربية الأبقار، محلات بيع وشراء، محلات حلاقة، أو بعض الصناعات اليدوية)، أيضاً فقد كانت لقاءاتنا بالعديد من العاطلين عن العمل الذين تجمهروا بالآلاف الشهر الفائت للمشاركة في المسابقة التي أعلنتها وزارة الصحة للوظائف، سألنا من التقيناهم، وقد ذكر لنا العديد منهم معاناته في مطاردة المسابقات منذ سنين طويلة، سألناهم عن سبب عدم توجههم إلى هيئة مكافحة البطالة للحصول على قرض والبدء بمشروع خاص، كانت الأجوبة: (وما هو هذا المشروع هل سأربي البقر؟ ليس لدي فكرة مشروع، لا أثق بقروض الدولة). تكرار المشاريع هذه الأجوبة كانت محور لقائنا بمدير فرع دمشق في هيئة البطالة محمد حجازي فكان جوابه: لا ننكر ظاهرة تكرار المشاريع، لكننا في الوقت ذاته نصرّ على أن يكون المشروع مدروساً من ناحية إمكانية نجاحه وجدواه وحاجة السوق المستهدفة له، وهذا ما تسعى لدراسته لجنة فنية تدرس فعاليته قبل منح القرض، ويضيف: كما أننا ندرس تمويله المطلوب وفيما إذا كان كافياً أو أكثر أو أقل. سألناه: لكن ما يعانيه العاطلون عن العمل الذين هم هدفكم، هو أن الواحد منهم وقد تخرّج حديثاً ربما من جامعته أو معهده، ربما لا يعتبر مؤهلاً لإجراء دراسات جدوى اقتصادية للسوق، ولذلك فهو غالباً ما يختار تربية البقر والمحلات التجارية وغيرها، فلماذا لا يكون لديكم قسم خاص بدراسات الجدوى يقترح مشاريع معينة في مناطق معينة اعتماداً على دراسات المختصين؟ كما أكدت له ونقلاً عن المشتكين أيضاً أنهم يعتبرون أن عمل الهيئة بصيغته الحالية لا يتجاوز عمل المصرف المموّل فقط. رأي حجازي أن هذا المطلب محق كما رآه قبل سنوات مدير المشاريع في الهيئة حين التقيته، لكن لا نتيجة حتى في تعديل قانون الهيئة الذي يجري حالياً. بنك الأفكار في مصر أحدثت مؤخراً أول مؤسسة خاصة لبيع وشراء الأفكار رغم أن هذه الفكرة ليست جديدة تماماً، فقد ظهرت في أوروبا وأميركا وبعض مواقع الإنرتنت، وفي تصريح صحفي قال إيهاب عبد الكريم المدير التنفيذي للمؤسسة التي تبيع وتشتري الأفكار إن هدفها القيام بدور الوعاء للأفكار والمخترعات والمشروعات الصغيرة، مضيفاً: إنها محاولة جادة لاكتشاف الشباب الموهوب ذي الأفكار المميزة ومساعدتهم على بلورة أفكارهم في صورة مشروعات. وكان من أول نتائج عمل هذه المؤسسة ميدانياً أن تعاقد الصندوق الاجتماعي للتنمية مع هذه المؤسسة الوليدة لإنشاء ما سمي (بنك الأفكار) لمشروعات صغيرة جديدة، ثم انضم بعد ذلك عدد من الشباب وأساتذة الجامعات والمستثمرين وأسّسوا ما سمّي بالكيان الاستشاري لتسويق هذه الأفكار. مخترعونا: يا وحدنا عندما نسمع عن هذه الفكرة المصرية تحضر إلى أذهاننا جمعية المخترعين السوريين التي ما زال مطلبها الأول وعنوانها الأول في غالب المعارض والمؤتمرات التي تجريها هو أنها تعاني من نقص التمويل والحاجة إلى استثمار أفكارها. سألت المخترع ونائب رئيس الجمعية عصام حمدي، إن كان ثمة جديد في هذه القضية فأجاب: بالنسبة للدولة ومصارفها فلا جديد، وما زالوا يعاملوننا كأي مقترض بالنسبة للفوائد والشروط، ويستطرد: لكننا قرّرنا الاعتماد على مجهودنا وتقديم مبادرات من عندنا نذكر منها: اقترحنا تأسيس شركة مساهمة من المخترعين تضم نحو 2400 سهم بقيمة (2000 ـ 5000 للسهم) ما يساعد على تأمين رأسمال بين (5 ـ 12) مليون ليرة سورية سنسعى من خلاله لاستثمار معظم الاختراعات التي ما زالت مكدسة كأفكار ضمن الجمعية. أما المبادرة الثانية فكانت تشكيل لجان فنية تضم عدة مخترعين للتعاون في حلّ مشكلات معينة كان أحدها تعاقدنا مع مركز لمعالجة المعاقين، فقدمنا له العديد من المخترعات التي حلّت مشكلات كانت تعيق عمل المعاق مثل: (جهاز يساعد المعاق على تشغيل الكومبيوتر برجليه، مجموعة طرق تدريب للمعاقين نالت الجائزة الأولى على الاختراعات في اليابان، سرير لتخديم المعاق، أطراف صناعية..). وعندما سألناه عن كيفية الوصول إلى هذا المركز والتعاقد معه أجاب: عبر الزيارات الشخصية: إلاّ أن مبادرة شخصية أخرى يذكرها حمدي آملاً تكرارها من مؤسسات أخرى قام بها مدير الخزن والتبريد عندما طلب من الجمعية إرسال لجانها الفنية للمساعدة في حل العديد من المشكلات التي تواجه المؤسسة، وهذا ماتمّ كما يقول نائب رئيس جمعية المخترعين، حيث زار وفد فني هذه الشركة وقدم كل مخترع اقتراحه: للأتمتة، للتبريد والربط المعلوماتي، والدعم الاحتياطي واللوجستي). وكانت الطريقة ـ الأخرى التي لجأ إليها المخترعون ـ كما يقول حمدي ـ هي المشاركة في المعارض الأخرى، إضافة إلى معرض الإبداع والاختراع (الباسل)، وهو ما نتج عنه أيضاً ـ كما يقول ـ التواصل بشكل أكبر مع المستثمرين. أيضاً يعوّل مخترعونا ـ كما يقول حمدي ـ على وعدين تلقوهما من وزير الاتصالات عمر وسالم الذي وعدهم أولاً بتأسيس حاضنة أعمال مع الشركات الأجنبية المرتبطة بعقود مع الحكومة السورية، وثانيهما العمل على تشجيع شركات الخليوي لعدم الاكتفاء برعاية الفن والفنانين والالتفات لرعاية المخترعين. أخيراً، يعتبر حمدي أن هذه المبادرات ستؤدي حتماً إلى نتائج جيدة، لكنها تحتاج لحملة مجتمعية ورسمية أكثر اهتماماً. على صعيد آخر، يبقى التمويل المصرفي ـ بحسب رأيه ـ المصدر الأهم، ولذلك فإن المخترعين السوريين يعوّلون كثيراً على المصارف الإسلامية القادمة ـ بحسب نائب رئيس الجمعية ـ في ظل غياب الدعم المصرفي الرسمي، ولا سيما أن المصارف الإسلامية تقبل بمبدأ المشاركة بين صاحب الفكرة وبين المصرف. خدمة رجال الأعمال وإلى جانب ظاهرة بيع الأفكار التي بدأت بالظهور في سورية، بدأت تظهر شركات جديدة لخدمات رجال الأعمال والفرص الاستثمارية، إلا أنها ما زالت حذرة في طرح مشاريع من قبيل جمع رأسين بالحلال بين صاحب الفكرة والمموّل، وهذا ما تؤكده لنا مينا أنصاري مدير عام شركة (خدمة رجال الأعمال) في حلب، والتي يقتصر نشاطها حالياً على طرح خدمات تتعلق بالمناقصات والتوظيف وترتيب النواحي البروتوكولية لرجال الأعمال، وهي لا تخفي عنّا أن طرح المزيد من الخدمات كدراسات الجدوى ودراسة السوق تحتاج لبناء الثقة مع رجال الأعمال في بلدنا الذين ما زالوا يتعاملون بحذر مع مثل هذه المبادرات. |