الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية: سورية تمتلك مقومات استثمار ملائمة .. .:. سوقها تتجاوز 100 مليون ليرة.. الأمطار تنعش بورصة الكمأة بدير الزور .:. سوق دمشق تودع عامها الأول بتداول 2.451 مليار ليرة على 2.365 مليون سهم .:. الإدارة المحلية تبحث مع الوكالة الفرنسية للتنمية تطوير مناطق السكن العشوائي .:. التربية تعلن قبول 6214 طالباً وطالبةً للدراسة في كليات التربية شعبة معلم صف .:.
 
 


سوق الملابس في سوريا.. يضرس المستهلك بحامض تحرير الأسعار

ثم كان قرار الحكومة تحرير أسعار الألبسة، تخلت الأم الاشتراكية عن دورها في الرقابة وضبط السوق، ووقفت إلى جانب الحد الأقصى 
من تصريحاتها بضرورة تحسين الوضع المعيشي (للأخ) المواطن، وحرصها على مصلحته، وعملها قدماً على طريق الإصلاح الاقتصادي من أجله.
وبينما تطرب الأذن بسماع التصريحات المعسولة والتبريرات المكتوبة لكل خطوة حكومية على أنها مكسب للمواطن، سيضرس (الفقير) وحده بحامض تحرير الأسعار، وقد تُرك في مواجهة ابتزاز السوق وهوس التجار الذي لن يخرج عن دائرة الربح.. فكانت كمن يوصي الذئب بقطيعه على (ألا تموت وألا يفنى الغنم)..، ولأن قناعة (ألا تموت) ستبدو السقف الأدنى من طموح الذئب، سيدفع المواطن الفقير وحده ضريبة هذا الطموح اللامنتهي.. ستكوى جيوبه بنار الأسعار، ويخضع للابتزاز وسيجد أخيراً إن من يقر الأسعار هو من يريد أن يستغله وباسم القانون.

من يملك المفاتيح.. يلعب:
على هذا النحو، ووفقاً لما تقره وزارة الاقتصاد، لا يوجد سقف على تسعير الملابس، والمفارقة المرّة وحدها، ستجعل من يضبط الأسعار (التاجر) هو من يضعها، وبحكم دوره (الأبوي) الجديد سيبدي الحرص على الأخ المواطن، مدعياً (للسخرية) تقيده بالأسعار، كما وضعها هو، حيث سيبيع الزبون كما كتب على بطاقة التعريف المرفقة أصولاً بقطعة الملابس، معلناً صراحة إذا ما حاول أحد أن يدخله في جدل الحسم، أن التخفيض سيكون على حساب ربحه المحدود، وأنها لن (توفي) معه وأن بيعها بأقل من مئة أو مئتي ليرة سيجعله يبيع قطعة الملابس برأسمالها..!
فجأة تعلن المحلات عن كرمها الحاتمي الذي لا حدود له، تسقط أسعار قطع الملابس من برجها العاجي العصي على الفقير لتصل الحسومات من 20- 50% و تصل أحيانا 70% مع الدعوة للمسارعة باغتنام الفرصة واقتناء الملابس.. فإذا ما تذكرنا مسألة صعوبة الحسم وبيع القطعة برأسمالها التي تذرع بها التاجر في أوقات ذروة البيع (مناسبات وبداية المواسم الصيفية والشتوية، أو كما حصل في العيد الماضي).. ستبدو الدعوة هنا لاغتنام الـ(أوكازيونات) مثيرة للشفقة على هذا البائع المسكين الذي كسدت بضاعته ورغب بتخفيض أسعارها لاستبدالها ببضائع الموسم الجديد، وفقاً لما يؤكده واقع حال العبارات الطنانة وما تحويه من تشطيبات واثقة على الأسعار القديمة واستبدالها بأسعار منخفضة.. إلا أن ذلك لا يعني بأن (الذئب قرر أن يدع الغنم) فالأخ التاجر المسكين ما زال يمتلك بيده مفاتيح اللعب ووحده من يدير قوانينها، فما يباع على أنه سعر محسوم يفترض - إذا ما عرفنا هامش الربح فيه - أن يكون السعر المعتمد طيلة فترة الموسم لا في (أوكازيونه).

أما السعر.. فلغاية بنفس يعقوب:
المشكلة إن الأسعار ستبدو عالية خلال أيام السنة العادية، تتضخم في بداية المواسم (الصيفي والشتوي) وفي المناسبات والأعياد، وتعود لتنخفض في حدودها الدنيا في أسابيع التنزيلات.. ولكنها رغم كل ذلك ستبقى تحلق بعيداً عن قدرة الزبون الشرائية الذي سيخضع إلى نوع من الابتزاز في المناسبات والمواسم فيجبر على دفع ما كتب على بطاقة التعريف دون أي حسم، وسيعود الزبون ذاته ليتعرض لابتزاز من نوع آخر في شهر التنزيلات حين يشتري القطعة ذاتها، ولكن بسعر ينخفض الخمسين بالمئة، في المرة الأولى سيرفض البائع الحسم (لأنها ما بتوفي) وفي الثانية سيحسم باعتبارها آخر الموسم وبالحالتين سيربح البائع..!
المثير أنه مع القناعة الكبيرة بوجود هامش هذا الربح الكبير، سيتذرع التاجر بعشرات الأساليب للحفاظ على هذا الهامش بأعلى ما يكون.. على بطاقة سعر إحدى قطع ملابس الأطفال سجل المبلغ ومقداره 344 (هو سعر منخفض جداً قياساً بأسعار ألبسة الأطفال) على نحو يوحي بأن المبلغ هكذا محسوب بالليرة، وأن البائع سيقوم برد ليرة سورية إذا ما قبض مبلغ 345 ليرة (الحدود الأدنى للمبلغ الذي تسمح به فئات العملة السورية) وربما يتكارم من جيبه فيحسم هذه الأربع ليرات وربما يزيد على ذلك فيحسم الـ44 ليرة.. وهكذا سيوهم الزبون بأنه حسم له وباعه البضاعة برأسمالها ربما، فإذا ما افترضنا حسن النية في كل ما سبق وقلناه، يبقى السؤال ما معنى أن تسعر قطعة بالليرات، ولاسيما عندما تطلعنا أسعار قطع مثل (2124 ليرة سورية..) والسؤال على هذا النحو الذي لا يشي إلا بأن ثمة مزاجاً ما شاء أن يكون الرقم هكذا.. وبذلك سيدخل الزبون في دائرة المفاصلة حول السعر وكله ثقة بأن ثمة هامشاً إضافياً في سعر القطعة يمكن المناورة حوله، وبالمقابل يدرك التاجر أن الزبون اعتاد على هذه المفاصلة لذلك سيبقي هامشاً في السعر لمناوراته، وبعيداً عن لعبة القط والفأر تلك، سيطرح السؤال نفسه: (ما المعايير التي يفترض أن تضبط هامش الربح الذي يحظى به صانع الألبسة وبائعها.. بعد أن رفعت الوزارة المعنية يدها عن الأسعار..؟!).

ومن ليس معه.. لا يلزمه:
بينما يرى التجار أن المواطن هو الذي يحكم، ما دامت عملية الاقتناء هنا مرتبطة بذوقه وقدرته الشرائية، وكل حسب مقدرته يحصل على الجودة، سيؤكد المواطنون أن المعايير تلك خاضعة لمزاجية التاجر وحسب.. فنظرياً ومع غياب التسعير المركزي واضطراب المعايير.. سيبدو أن الناظم الوحيد للعلاقة بين المستهلك والبائع هو الجودة وحاجة المستهلك لها ومن هنا يبدأ بيت القصيد، فحاجة المستهلك هذه، سرعان ما ستتحول سيفاً مسلطاً على (جيبه) في المواسم والمناسبات، وسنسمع كثيراً في أسواق الألبسة عن تعنت التجار، وتمسكهم في مواسم ذروة البيع بالأسعار التي كتبت في بطاقات البيع الملحقة بقطعة الملابس وتكرارهم للعبارة ذاتها (إذا ما عجبك لا تشتري.. ).
وبالطبع لن تستطيع شريحة واسعة من الناس أن تشتري خلال هذه المواسم ما دامت نار الأسعار قد ارتفع سعيرها على هذا النحو، ومع تعنت التجار عند حدود مرتفعة من الأسعار سيزاح المستهلك جانباً من المعادلة وسيبدو دوره الذي أشار إليه التجار سابقاً هامشياً، إذ سيخضع مضطراً لخيار (أما أن تشتري أو ابحث عن دخول إضافية لتشتري). ولأن الخيارين أحلاهما مر، لن يجد هذا المستهلك سوى واحد من احتمالين أما البحث عن البضاعة (الستوك) بوصفها أرخص أو العودة إلى سوق الألبسة المستعملة (البالة) حيث لا تقاس التسعيرة بالليرات.. وربما هو يكتفي بما عنده حتى شهر التنزيلات وعندها سيشتري ملابس سينتظر ارتداءها موسماً بأكمله.

ظاهر الزبون.. باطن البائع:
المثير هنا، وبخلاف صورة الخيارات المحدودة التي طرحناها أعلاه، أن عدداً من أصحاب المحلات سيصر أن في بضاعتهم المعروضة وأسعارها ما يتناسب واختلاف القدرة الشرائية بين الزبائن، وأن الاختلاف هنا سيقتصر في الغالب على موضوع الجودة وحسب..
ثمة من ألمح أن المسألة لا تقاس على النحو الذي نعتقد (النظر إلى كلفة التصنيع) فعندما يدفع صاحب محل فراغ محله ملايين الليرات فلابد لهذه الملايين أن تحجز نصيباً لها من قيمة سعر البضاعة المعروضة للبيع، ويدلل محدثنا على ذلك بأن اختلاف فراغات المحلات من منطقة إلى أخرى، ينعكس على سعر القطعة ذاتها بين هذه المناطق.. وبالتالي بوسع أي شريحة من المجتمع أن تختار المنطقة التي تتناسب مع قدرتها الشرائية.
التقدير النظري هنا للمسألة، سيظهر الفارق بين سعر قطعة الملابس ذاتها في أسواق المدينة المختلفة، إلا أن ما ينظر إليه على أنه سعر منخفض بحكم موقع السوق، هو بالحقيقة ملتهب إذا ما قيس بدخول المستهلكين.. وهذا ما يعني المستهلك بالضرورة..!
المشكلة ربما تقدم نفسها على أنها مسألة ضعف دخول المستهلكين لا ارتفاع أسعار، وإن زيادة هذه الدخول من شأنه إعادة التوازن للمستهلك.. فإذا ما استعدنا تاريخ العلاقة التي جمعت تجارنا مع كل الزيادات التي حصلت على الرواتب خلال السنوات الخمس الأخيرة مثلاً وتتبعنا ماذا فعل انخفاض قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي في فترة من الفترات، وصلنا إلى يقين أن المسألة هنا ليست عدم توازن بين دخول المواطنين وأسعار السوق وإنما جشع لا ينتهي.

حتى الرشاوى.. يتقاضون أرباحها:
إذا ما ابتعدنا عن اليافطات العريضة لبعض التجار من أن المسألة مسألة انخفاض دخول المواطنين لا أسعارهم، سيعترف البعض الآخر من التجار بوجود هامش ربح كبير في بضاعتهم إلا أنهم سيدافعون عن هذا الهامش بأنه محاولة لتعويض الكساد الكبير الذي يواجهونه كل عام في عدد من أنواع الألبسة التي تتغير موضتها موسماً بعد موسم.. فضلاً عن ما يتكبدونه من ضرائب والتزامات مالية.. إلا أن واقع الحال يشي بأن تصفية حسابات كل هذه الالتزامات ستقع على عاتق الزبون وعلى هذا الزبون أن يتحمل فراغات محلات التاجر والضرائب المتوجبة عليه وحتى سفرات هذا التاجر إلى الخارج للاتفاق على ألبسة مستوردة، وربما الرشاوى الصغيرة الني تدفع لموظف ما في الحكومة.. وجميعها سيضاف إلى سعر قطعة الملابس على أنها رأسمال ومن ثم يضاف إليها هامش الربح، على نحو سيربح التاجر من المبلغ الذي يدفعه للضرائب وسيربح كذلك من فراغ محله وربما سيربح من الرشوة التي يدفعها وثمن الشاي والقهوة التي يشربها في محله.. وهكذا.
بلغة التجارة ستبدو إضافة الضرائب وفراغات المحلات والكساد إلى رأسمال القطعة أمراً مقبولاً على نحو ما وبمقدار معين، إلا أن هذا الحد المنطقي والمقبول سيتعرض هو الآخر لعدد من التجاوزات ولاسيما لجهة وكالات ماركات الألبسة العالمية، والألبسة المستوردة ولاسيما إذا عرفنا أن كثيراً من البضاعة يتم استيرادها من فائض موضات هذه الألبسة وهذا بحد ذاته يتيح هامشاً للربح، أما ما استورد حقاً من أفخر البلدان في صناعة الملابس فستتم جمركة جزء منه ويمرر الجزء الثاني بالمحبة والود بين الجمارك والتاجر في أغلب الأحيان!!.. ورغم ذلك سيدفع الزبون ثمن القطعة كما لو أنها استوفت ضرائبها وتكاليفها على أكمل صورة.

أما الجودة.. فلا تسأل:
الحديث على هذا النحو سيدفعنا إلى سؤال عن الجودة، ومادام الكثيرون قد تذرعوا بها بوصفها الحد الفاصل لأسعار بضائعهم سيبرز سؤال بريء: ما مدى تطابق المواصفات المسجلة على بطاقة التسعيرة مع المواصفات الحقيقية لقطعة الملابس..؟!
في بعض وكالات الألبسة المستوردة سيلجأ التاجر إلى الاستعانة بالأقمشة الوطنية عوضاً من الأقمشة الأجنبية التي ستقدم قطعة الملابس باسمها، وإذا استعان بالأقمشة الأجنبية فهي بلاشك من أدنى النخب التي تباع في الخارج.. بمعنى أن الزبون هنا سيشتري قطعة بقماش وطني مع وهم أنه يلبس ماركة عالمية معتمدة.. وبذلك ستبقى الجودة بواد والأسعار بواد آخر دون أن يعني بالضرورة أن سعراً أعلى يقتضي جودة أفضل.. وسيبقى وتر الجودة المعزوفة الأكثر حباً وتفضيلاً عند التجار حيث يفترض أن تنتهي عندها كل النقاشات حول ارتفاع الأسعار ويبدأ الجميع بإدارة دفة مسؤولية هذا الارتفاع صوب الآخر، تاجر الجملة باتجاه المصنع أو تاجر المفرق، والمصنع تجاه التجار الذين لا يرحمون، وتاجر المفرق الذي يدعي أنه ل ينال من البيضة التي يتقاسمها تاجر الجملة والمصنع سوى القشرة..

وماذا بالنسبة لاقتصاد السوق الاجتماعي؟
هكذا يضيع دم ارتفاع السعر بين هؤلاء الثلاثة ولم نعرف من يأكل البيضة ولمن تترك قشرتها؟ ولكن من الواضح أن الثلاثة تقاسموا على نحو ما الزبون ورغبته، ليبقى زبوناً حائراً بين ما يشتهي أن يلبس وما تتيح لها قدرة جيبه على الشراء. دون أن نعرف لماذا تقف الحكومة مكتوفة الأيدي تجاه ما يحدث مع أن مصادر من وزارة الاقتصاد لفتت إلى أن للوزارة الحق في إعادة تسعير أي مادة محررة استغل تحريرها خلافا لمصلحة المستهلك.. ثم ماذا عن اقتصاد السوق الاجتماعي؟

الكاتب: إدارة الموقع

طباعة


غرفة صناعة حلب    هوم أراب    الدليل الطبي السوري    
موقع المعلن السوري 2012, أحـد مواقـع شركـة هوم اراب