التورق تحايل على الربا
يهدف التورق إلى تمكين عملاء البنوك من الحصول على السيولة النقدية؛ بحيث يتسلمون مبلغاً نقدياً حالاًّ مقابل التزامهم بدفع مبلغ نقدي أكبر في الأجل؛ عن طريق إبرام عقد شراء سلعة بثمن مؤجل لا رغبة لهم بها، وبيعها لطرف ثالث غير البائع بأقل من الثمن الأول.
وابن تيمية يقول: [البيع إلى أجل ابتداء، فإن كان قصد المشتري الانتفاع بالسلعة، والتجارة فيها جاز، إذا كان على الوجه المباح.
أما إن كان مقصوده الدراهم فيشتري بمئة مؤجلة، ويبيعها في السوق بسبعين حالة، فهذا مذموم منهي عنه في أظهر قولي العلماء.
وهذا يسمي [التورق"> قال عمر بن عبد العزيز: التورق أخية الربا">، مجموع الفتاوى، 29/302.
ولما كان كل ما يفعله الإنسان من تصرفات وعقود يتضمن أساساً ناحية الباعث الدافع إلى الفعل، وناحية المآل الذي يؤدي إليه الفعل.
فإن تحريم التورق مندرج تحت قاعدة: سد الذرائع، وقاعدة الأمور بمقاصدها، وأن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
وبالتالي فإن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من حرمة الربا صورة البيع.
ويلاحظ أن غاية المتورق: الحصول على نقود حالة في مقابل الالتزام بنقود أكثر منها بعد أجل، وهو غرض غير مشروع من جهة، ومن جهة أخرى هو مناقض لقصد الشارع من عقود البيع التي شرعت لتلبية حاجة المشتري إلى السلعة للاستهلاك أو للاتجار.
فالسلعة محل العقد لا تهم العميل في أي شيء، وهو لا يريد شراؤها ولا بيعها، وإنما يريد الحصول على مال نقدي.
يقول الشاطبي في الموافقات:
[كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم يشرع له فعمله باطل">.
[قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع، والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله وألا يقصد خلاف ما قصد الشارع">.
فالتورق المصرفي حيلة محرمة لأن المقصود بها تحليل حرام، وهو الحصول على النقد الحال في مقابل دفع أكثر منه مقابل الأجل.
المخاطر التي تؤول إليها عملية التورق المصرفي:
ابتعاد المصرف الإسلامي عن مهمة التوسط الاستثماري.
انحصار دور المصرف الإسلامي في تقديم السيولة النقدية وتحقيق المكاسب من خلال ذلك.
استغناء البنوك الإسلامية مستقبلا عن صيغ العقود الأخرى.
انصراف المتعاملين مع البنوك الإسلامية عن الاستثمار الحقيقي التي تسهم في قضية التنمية.
فقدان البنوك الإسلامية إلى أساس وجودها، فالتورق المصرفي من أسهل الطرق للقضاء على مشروع المصرف الإسلامي.
وختاماً أقول:
بأن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، والمطلوب: سد الباب أمام المحتالين والمفسدين الذين يعملون على التحلل من قيود الشريعة وأحكامها.
والشريعة إنما تنظر إلى مآلات التصرفات وغاياتها، فإن كانت هذه الغايات مفاسد وأضراراً منعت من أسبابها، وسدت الوسائل والطرق التي يتذرع بها إليها.
الكاتب: إدارة الموقع